الشيخ علي المشكيني
128
رسائل قرآنى
تركّب أجزاء النطفة في رحمها ، أو لأنّه نفخ الروح في الجنين الذي في بطنها . وأمّا كونهما آية فهي تتحقّق بما ذكر ، وبما فضّل اللَّه عليهما من العلم والإيمان ، وما منح لعيسى عليه السلام من مقام النبوّة . وأمّا الآيتان الأخيرتان : فلعلّ المراد بنفخ الروح إعطاؤه الولد الحيّ بالنحو المذكور بلا وساطة الزواج ، فكأنّه تعالى قال : لمّا أحصنت فرجها عن الزواج والسفاح فنحن وهبناها الولد بلا مساس بشر . ثمّ إنّ غرض هذا القائل من الإصرار على القول بجريان خلق عيسى على طبق سنّة التكوين لا على نحو الإعجاز - مع أنّه غير مستبعد في حقّه تعالى ومستنكر ، بل كان ما أوجده اللَّه وخلقه ويوجده فيما يأتي إعجاز في الحقيقة خارج عن طاقة البشر ، إلّاأنّ كثرة وقوعه وحصول الاعتياد صار سبباً لحسباننا له أمراً متعارفاً - أمران : أحدهما : تصحيح ما وقع من تشبيه عيسى بآدم في الآية المبحوث عنها ، حيث اختار كون خلق آدم جارياً على سنن التكوين . والثاني : لزوم القول بكون حدوث كلّ أمر على طبق قواعد التكوين وبتسبيب العلل والأسباب ما لم يقم دليل على خلافه ؛ إذ قد أبى اللَّه أن يجري الأمور إلّابأسبابها كما في عدّة من الروايات . الأمر الثاني من الأُمور الراجعة إلى بيان حال الإنسان في ذكر نبذ من أوصافه ممّا وقعت الإشارة إليه في الكتاب الكريم وفمنها : حسن تصويره وكماله في خلقه ؛ قال تعالى : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ « 1 » . الصورة قسمان : قسم محسوس بالبصر كصورة الإنسان والفرس ، وقسم محسوس بالبصيرة كصورة روح الإنسان ونفسه من عقله وفضائله ورذائله . ولقد حسّن اللَّه تعالى كلا القسمين من صورة الإنسان ظاهره وباطنه ، جسمه وروحه .
--> ( 1 ) . غافر ( 40 ) : 64 .